نداء لوحدة المجموعات الثورية في تونس

من  هيئات العمل الثوري/حركة عصيان 

أكثر من سنتين على اندلاع الموجة الانتفاضية، وبرغم تداول الحكومات وكثرة الوعود البراقة والبرامج الانتخابية المنتفخة فان الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في تفاقم، ووضع عموم الشعب من أجراء ومعطلين وعموم الفقراء والمهمشين يزداد تدهورا، والتناحر الحزبي على السلطة يدفع البلاد الى حرب أهلية، وكل المؤسسات السياسية من المجلس التأسيسي الى الحكومة الى الولاة والمعتمدين… أثبتت افلاسها وعجزها عن تقديم حلول حقيقية، بل انها قد أصبحت تمثل جزء من الأزمة بتكالب الحكام الجدد على جني الامتيازات والاستيلاء على مواقع النفوذ، وعودة نظام المحسوبية والولاءات، والبوليس والجيش الذان عجزا عن توفير الأمن الحقيقي للناس يواصلان أسلوبهما الوحشي في قمع المتظاهرين والمحتجين، وفيما أصحاب الثروة من رجال أعمال وسماسرة من كل نوع يزدادون تغولا وثراء تمضي الدولة نحو مزيد الترفيع في الأسعار والتبشير برفع الدعم عن المواد الاستهلاكية الأساسية تلبية لإملاءات صندوق النقد الدولي، وتسعى لإلغاء منح البطالة وتسريح عمال المناولة والتراجع عن كل المكاسب الاجتماعية التي فرضتها الجماهير خلال الفترة الأولى من الهبة الثورية بهدف تحميل جماهير الشعب تكلفة الأزمة تحت يافطة “مصلحة البلاد” و”انقاذ الاقتصاد الوطني”، أي انقاذ الرأسمال من أزمته العامة.

ان هذه الحصيلة الكارثية للمسار الثوري تثبت أن تسليم أمورنا لحفنة من السياسيين الراكبين على الثورة سواء باسم “التوافق” تحت مضلة ما سمي الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، أو باسم “الشرعية الانتخابية” تحت مضلة المجلس التأسيسي، لا يمكن أن يقود الا الى اعادة انتاج نفس النظام التسلطي ونفس الخيارات الاقتصادية والاجتماعية بوجوه جديدة وديكور ديمقراطي ليبرالي يستلب حق عموم الجماهير في ادارة شؤونها العامة واحالة ذلك لكمشة من البيروقراطيين والمتسلقين الذين لا هم لهم سوى التنازع والتكالب على السلطة والنفوذ.

فالجماهير المنتفضة اذا لم تمسك بنفسها ادارة كل شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية والادارية من خلال مجالس تسيير محلية في الأحياء كما في المدن والبلدات والقرى وفي كل مناحي الحياة الاجتماعية ومركزتها من خلال جمعية شعبية لمندوبي تلك المجالس، مندوبين منتخبين بتكليف محدد وقابلين للعزل، اذا لم تحول الجماهير الثائرة ملكية وسائل الانتاج الى ملكية اجتماعية، وتدير الانتاج بشكل تعاوني يوجه الانتاج الاجتماعي نحو تلبية الحاجات الفعلية المتضامنة لكل أفراد المجتمع وفق خطة واعية يمكن للخبراء والمختصين المساهمة في بلورتها تحت اشراف شعبي، والقطع مع الأسلوب الراسمالي الذي يرهن طاقات المجتمع لمنطق الربح والمنافسة، اذا لم تبادر الجماهير المسحوقة باعادة تنظيم الأمن والجيش والقضاء والادارات العمومية وفق قاعدة الانتخاب وانهاء كل أشكال التراتبية والامتيازات وبسط مراقبة شعبية على هذه الأجهزة لتتحول الى ادارة في خدمة الشعب وليس جهازا غريبا عنه معينا من فوق بطريقة بيروقراطية تسلطية، اذا لم تبادر هذه الجماهير الى تحويل الملكيات الكبيرة للارض الى ملكيات تعاونية تحت اشراف مجالس منتخبة تتظافر جهودها في سبيل تحرير الانتاج الزراعي من سطوة الملاكين العقاريين الكبار وتوجيهه نحو تلبية الحاجات الفعلية لعموم الشعب وانهاء كل أشكال الوساطة والسمسرة، اذا لم يكن للشعب، من خلال مجالسه المحلية والجهوية المنتخبة، الحق في تقرير أسلوب انتاج حياته المادية والروحية بشكل حر ومتضامن، اذا لم تتحقق مثل هذه المبادرات الثورية، بيد الجماهير

نفسها وليس بوكالة هذا الحزب أو ذاك، فان النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السائد سيظل ينتج نفس شروط الأزمة القائمة، بل ان هذه الأزمة، وفي غياب حلول ثورية تبتدعها الجماهير وليس عبر برامج حزبية مسبقة ومسقطة، قد تقودنا الى الفوضى العارمة التي عرفتها العديد من تجارب الشعوب السابقة، وفي كل الأحوال فانها لن تقود لتحقيق الأهداف التي انتفضت الجماهير من أجلها.

ان الوقوف عند حدود الاحتجاج ورفع المطالبات لن يغير في واقع الأمور شيئا. والنظام السائد، بغض النظر عن وجود هذا الحزب أو ذاك في سدة الحكم، يثبت في كل يوم أنه عاجز عن تحقيق الحد الأدنى من تلك المطالبات. لذلك فان الحركة الثورية تجد نفسها في هذه المرحلة أمام خياران: اما الدخول في طور جديد تأخذ فيه الجماهير زمام المبادرة باعادة تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والادارية وفرض أمر واقع جديد، واما استنزاف طاقاتها في حدود المطلبية السكتارية أو الجهوية الضيقة، وهو ما من شأنه اعطاء الوقت للنظام بكل نخبه السياسية المتنازعة لتنظيم صفوفه تحت لواء “التوافق” و”الوحدة الوطنية” والتحضير لهجوم مضاد قد يغرق الحركة في القمع الدموي، أو اعطاء الفرصة لهذا الطرف السياسي أو ذاك لإستثمار النضالات الجماهيرية لحسابه الخاص من أجل تحسين موقعه في لعبة الصراعات الحزبية على السلطة.

لكن المرور الى طور جديد في المسار الثوري يشترط تطورا حاسما في الأشكال التنظيمية، اذ لا يمكن للحركة أن تحقق تقدما ملموسا بدون توحيد صفوفها وصهر طاقاتها في بوتقة واحدة في مواجهة القوة المنظمة للدولة وكل أجهزتها القمعية. وهذا ما يضع كل المجموعات الثورية أمام المهمة الملحة للخروج من حالة التشرذم والانغلاق الفئوي الضيق الذي يبقيها في وضع هامشي يعيق مساهمتها الفعالة في تطوير النشاط الثوري بعموم الجماهير.

فأبسط معاينة لنشاط العديد من المجموعات الثورية التي أفرزتها الموجة الانتفاضية يحيلنا على نقاط ضعف قاتلة يمكن تلخيصها في الآتي:

- الانكفاء ضمن مجموعات صغيرة ومحدودة الامكانيات، لا ترتبط فيما بينها باي صلة، وهو ما يجعلها محدودة التأثير، عاجزة عن خلق محاور صراع مستقلة عن الأجندات والتوظيفات الحزبية، بل انها في كثير من الأحيان تكون مجرد وقود محل استثمار لهذا الطرف أو ذاك.

- الارتهان للطابع الجهوي أو القطاعي والانغلاق ضمنه بما يمنعها من التحول الى قوة تأثير شاملة وموحدة، وهو ما يسهل على أجهزة القمع والأحزاب محاصرتها والوقوف حاجزا بينها وبين عموم الجماهير المنتفضة.

- ضعف دعايتها الثورية في الأوساط الجماهيرية بالنظر لمحدودية امكانياتها المادية واللوجستية، حيث وباستثناء مواقع التواصل الاجتماعي المحدود التأثير، أو بعض النشاطات المناسبتية، فلا نكاد نعثر على منشورات منظمة أو مناشير دعاية وتحريض واسعة الانتشار.

- غياب منابر اعلامية بديلة يمكنها كسر احتكار وسائل الاعلام الرسمية، والعجز عن تجميع منظم للمعطيات الميدانية التي يمكنها تشكيل صورة شمولية عن الوضع ورصد تطوراته المتسارعة.

- غياب كامل لفضاءات ومؤسسات تنظم النقاشات الداخلية بين هذه المجموعات تعمل على توحيد أهدافها وتكتيكاتها، وهو ما يجعلها عرضة لتسلل الأفكار الايديولوجية والعقائدية الميتة والتي تتحول شيئا فشيئا الى حواجز تزيد من التشتيت وتعمق الهوة بين المناضلين

الثوريين، لتتحول هذه المجموعات نفسها الى نوع من الطوائف والشيع المنغلقة بعضها عن بعض، وهو ما يقود في غالب الأحيان الى تحول تلك المجموعات الى تنظيمات حزبية مقنعة.

- انحسار هذه المجموعات في حدود فئات اجتماعية محدودة (الشبابية الطلابية والتلمذية خاصة) وهو ما يجعل قطاعات جماهيرية واسعة خارج دائرة تأثير النشاط الثوري لتلك المجموعات، وهو ما يعطي الفرصة للأحزاب والبيروقراطيات النقابية للجم حركة هذه القطاعات في الحدود الاصلاحية والمطلبية الضيقة ويعزلها عن الحراك الثوري، بل ويدفعها في كثير من الأحيان الى الوقوف والتصادم مع الموجة الاحتجاجية ويعمق الطابع المحافظ داخلها.

كل نقاط الضعف المعروضة وغيرها تضع العنصر الثوري أمام مسؤولية الاتجاه صوب انجاز أرضية برنامجية وتنظيمية عملية لتوحيد القوى، باعتيار ذلك نقطة الانطلاق الوحيدة لتجاوز الوضع القائم. وبهذا الصدد نعرض على كل رفاقنا هذه النقاط البرنامجية التي يمكن لها أن تمثل الأساس العام لعملية التوحيد هذه:

النضال من أجل ارساء منوال اقتصادي اجتماعي جديد، يقطع مع النظام الرأسمالي وكل آلياته الاقتصادية القائمة على الربح والمنافسة. وهذا القطع مع الرأسمالية لا يكون الا بتحويل ملكية وسائل انتاج الثروة الاجتماعية الى ملكية اجتماعية تحت ادارة تعاونية يساهم فيها كل أفراد المجتمع، على قاعدة تقاسم الجهد والثروة تقاسما عادلا ومتضامنا وتوجيه الانتاج نحو التلبية الحقيقية لحاجات الناس وليس لمراكمة الأرباح.

وفي هذا الاتجاه فان تكتيكنا الثوري يقوم على مساندة والمساهمة في كل النضالات الجماهيرية على قاعدة مطالبها الاجتماعية المباشرة من الحق في الشغل والتعويض على فقدانه الى المطالبة بتحسين المقدرة الشرائية لعموم الأجراء وصولا الى كل المطالبات بتحسين الأوضاع الحياتية لعموم الفقراء والمهمشين، ورفض أية هدنة طبقية تحت يافطات “مصلحة البلاد” أو “مصلحة الاقتصاد الوطني” أو “الدفاع عن القدرة التنافسية للمؤسسة” أو غيرها من التبريرات التي تسوقها الأحزاب ووسائل الاعلام المأجورة.

النضال ضد كل أجهزة الدولة التسلطية وبنائها الفوقاني مهما كان الشكل الذي تتخذه من ديمقراطي ليبرالي الى فاشي ديكتاتوري، وسواء اتخذ حلة دينية أو “حداثية”. وهذا النضال يستهدف ارساء ادارة ذاتية تعاونية للشأن العام يساهم فيه كل أفراد المجتمع بطريقة مباشرة وبدون تمثيلية سياسية أو أي شكل من أشكال المحاصصة. وان مجالس تسيير ذاتي في المدن والأحياء والبلدات والقرى وفي كل القطاعات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والادارية تنبثق عنها مجالس تسيير وطنية، عبر انتخاب مباشر لمندوبين بمهمات محددة وقابلين للعزل، تمثل الاطار الأنسب، وفقا للتجربة التاريخية للحركة الثورية ودروسها المستخلصة.

وفي هذا الاتجاه فان تكتيكنا الثوري يقوم على مساندة والمساهمة في كل المبادرات التلقائية للجماهير المنتفضة لإنشاء مجالس ثورية تكون مهمتها تطوير النضالات وفرض سلطة ذاتية تعاونية موازية لسلطة الدولة وأجهزتها الرسمية.

النضال ضد كل أجهزة التدجين الاجتماعي التي تسعى للجم الحركة الثورية للجماهير في حدود النظام الاجتماعي السائد سواء اتخذت حلة عمالية (البيروقراطيات النقابية) أو حلة حزبية (الأحزاب المنخرطة في النظام السياسي حكما ومعارضة) أو حلة دينية (الأحزاب

الدينية ومؤسسات التدين الرسمي المبررة للاستغلال والاضطهاد) أو حلة حقوقية أو ثقافية (الجمعيات والمنظمات الرسمية وشبه الرسمية).

وفي هذا الاتجاه فان تكتيكنا الثوري يقوم على مساندة والمساهمة في كل مبادرة تهدف الى خلق فضاءات اجتماعية مستقلة وحرة للإدارة الجماعية للحياة المادية والروحية لكل أفراد المجتمع على قاعدة تحرير المعتقد من كل الاكراهات والالزامات سواء باسم “الهوية” أو باسم “التنويرية”، وخاصة النضال ضد كل تقسيم للحركة الثورية تحت أي يافطة دينية أو عقائدية أو طائفية أو عشائرية…

ربط الصلة الأممية مع كل الحركات الثورية في العالم على قاعدة النضال ضد النظام الرأـسمالي العالمي، واعتبار تطوير التضامن الأممي بين الجماهير المنتفضة في الشرق كما في الغرب هو الوسيلة العملية الوحيدة لمقاومة كل أشكال التدخل السياسي والعسكري للأقطاب الرأسمالية العالمية وسعيها للاتفاف وتحويل وجهة الموجة الثورية التي تشهدها عديد الدول. ورفض أي محاولة لجر العمال وكل ضحايا النظام الرأسمالي وراء الأقطاب البورجوازية المتناحرة باسم “الدفاع عن الوطن” أو “نشر الديمقراطية” أو “مقاومة الارهاب” أو غيرها من اليافطات الايديولوجية التمويهية.

About these ads

About tahriricn

bringing together anarchist perspectives from the Middle East, North Africa and Europe

Posted on July 6, 2013, in North Africa, العربية and tagged , , . Bookmark the permalink. 9 Comments.

  1. Hello there! This is my first visit to your blog! We are a team of volunteers and starting a new initiative in a community
    in the same niche. Your blog provided us beneficial information
    to work on. You have done a marvellous job!

  2. Thank you for the auspicious writeup. It in fact was once a leisure account it.
    Look complicated to far introduced agreeable from
    you! By the way, how can we keep up a correspondence?

  1. Pingback: From Tunisia: A Call for Unity | Nice Messages

  2. Pingback: From Tunisia: A Call for Unity | Support OWS

  3. Pingback: From Tunisia: A Call for Unity | OccuWorld

  4. Pingback: From Tunisia: A Call for Unity - iNewp.com

  5. Pingback: From Tunisia: A Call for Unity | The Jefferson Tree

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 227 other followers

%d bloggers like this: