الأناركيون الجدد ديفيد جريبر

ترجمة: أحمد حسّــان

المصدر: الأناركية بالعربية

يصعب التفكيرُ في زمنٍ آخر كانت توجد فيه مثل تلك الفجوة القائمة بين المثقفين وبين النشطاء؛ بين مُنظِّري الثورة وبين ممارسيها. فالكتّابُ الذين ظلّوا لسنواتٍ ينشرون مقالاتٍ تبدو وكأنها نشرات إعلان مواقفٍ لحركاتٍ إجتماعية ضخمة لا وجودَ لها في الحقيقة، يبدون الآن وقد تملّكتهم الحيرةُ، أو أسوأ من ذلك، الاحتقارُ الرافض، بينما تنبثقُ حركاتٌ اجتماعية حقيقية في كل مكان. والأمر فضائحيٌ بوجهٍ خاص في حالةِ ما لا يزال يُشارُ إليه، دون سببٍ وجيه، باعتباره حركة “مناهضة العولمة”، التي استطاعت خلال ما لا يزيد عن عامين أو ثلاثة أن تُغيّر تماما معنى الإمكانيات التاريخية  للملايين عبر الكوكب. ربما كان هذا نتيجةَ الجهلِ المطبق، أو الاعتمادِ على ما يمكن استخلاصهُ من مصادر معاديةٍ بشكل صريح من قبيل صحيفة النيويورك تايمز؛ لكن أغلب ما يُكتب حتى في المنافذ التقدمية يبدو أنه يَحيدُ بقدر كبير عن صُلب الموضوع ــ أو على الأقل، نادرا ما يُركّز على ما يعتقد المشاركون في الحركة أنه أهم ما يتعلق بها.

وباعتباري أنثروبولوجيا ومشاركا نشطا ــ خصوصا في طرف العمل المباشر، الأكثر جذريةً في الحركة ــ قد أستطيعُ توضيحَ بعض نقاط سوء الفهم الشائعة؛ لكن ذلك قد لا يُقابلُ بالامتنان. ويكمن قدرٌ كبير من التردد، فيما أظن، في نفور أولئك الذين تخيّلوا طويلا أنهم راديكاليون على نحوٍ ما من التوافق مع حقيقة أنهم ليبراليون في الحقيقة: مهتمّون بتوسيع الحريات الفردية والسعي إلى العدالة الاجتماعية، لكن ليس بطرقٍ قد تتحدى جدّيا وجود المؤسسات الحاكمة مثل رأس المال أو الدولة. فضلا عن أن الكثيرين ممن يرغبون في رؤية تغييرٍ ثوري قد لا تغمرهم السعادةُ لاضطرارهم لقبول أن أغلبَ الطاقةِ الإبداعية للسياسة الراديكالية تأتي الآن من الأناركية ــــ  وهي تقاليدٌ غالبا ما نبذوها حتى الآن ــــ  وأن أخذ هذه الحركة على محمل الجد سيعني بالضرورة ارتباطا ينطوي على الاحترام معها.

أنا أكتب بوصفي أناركياً، لكن بمعنى من المعاني، فإن إحصاءَ كم من الناس المنخرطين في الحركة يدعون أنفسهم “أناركيين” فعليا، وضمن أية سياقات، يُعدّ خارجَ الموضوع1. ونفس مقولة العمل المباشر، برفضها لسياسةٍ تناشدُ الحكومات أن تُعدّل سلوكها، لصالح التدخل المادي/الجسديأ ضد سلطة الدولة بشكلٍ يجسّد مسبقا بديلا هو ذاته ــــ كل هذا ينبثق مباشرة من التقاليد الليبرتاريةب. الأناركية هي قلب الحركة، روحها؛ مصدر أغلب ما هو جديد وباعث للأمل فيها. فيما يلي، إذن، سأحاول توضيح ما يبدو أنها التصورات الخاطئة الثلاثة الأكثر شيوعا بشأن الحركة ــــ  معارضتنا المفترضة  لشيء يطلقُ عليه اسم “العولمة”، و”عنفــ”ــنا المفترض، وافتقادنا المفترض إلى إيديولوجيا متماسكة ــــ  ثم اقتراح كيف يمكن أن يفكر المثقفون الراديكاليون في إعادة تخيُّل ممارستهم النظرية الخاصة على ضوء هذا كله

حركة عولمة؟

عبارة “حركة مناهضة العولمة” هي من صياغة وسائل الإعلام الأمريكية ولم يشعر النشطاءُ أبداً بالارتياح إزاءها. فبقدر كونِ هذه الحركةِ حركةً ضد أيّ شيءٍ على الإطلاق، فإنها ضد النيوليبرالية، التي يمكن تعريفها بأنها نوعٌ من أصوليةِ السوق ــــ  أو، بالأحرى، ستالينيةِ السوق ــــ  تؤكد أن ثمة اتجاها ممكنا واحدا فحسب للتطور التاريخي البشري. والخريطة في قبضة نخبة من الاقتصاديين والمروّجين للشركات الكبري، لابد من التنازل لهم عن كل السلطة التي كانت تحوزها ذات حينٍ مؤسساتٌ لها أيّ نصيبٍ من قابلية المحاسبة الديموقراطية؛ من الآن فصاعدا سيتم التصرف في هذه السلطة إلى حدٍ كبير من خلال منظمات معاهداتٍ غير منتخبة من قبيل صندوق النقد الدوليIMF، أو منظمة التجارة العالمية WTO، أو اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشماليةNAFTA . في الأرجنتين، أو إستونيا، أو تايوان، سيكون ممكنا أن نقول بوضوح: ” نحن حركة مناهضة للنيوليبرالية”. لكن في الولايات المتحدة، تمثل اللغة دوما مشكلة. إذ ربما كانت الشركات الإعلامية الكبرى هنا أشد شركات الكوكب صخريةً من الناحية السياسية: النيوليبرالية هي كل ما يمكن رؤيته ــــ  هي الواقع الخلفي؛ ونتيجة لذلك، لا يمكن استخدام الكلمة ذاتها. ولا يمكن تناول الموضوعات المرتبطة إلاّ باستخدام مصطلحات دعائية من قبيل “التجارة الحرة” أو “السوق الحرة”. وهكذا يجد النشطاء الأمريكيون أنفسهم في مأزق: فلو اقترح أحد وضع “كلمة النون”ت (كما يطلق عليها عادةً) في منشورٍ أو بيان صحفي، تنطلق أجراس الإنذار على الفور: إنه استبعاديٌ، يلعب فقط لصالح نخبة متعلمة. وقد وُجِدت كلّ أنواع محاولات تأطير التعبيرات البديلة ــــ  فنحن “حركة عدالة كوكبية”، نحن حركة “ضد عولمة الشركات الكبرى”. وليس أيٌ من هذه التعبيرات أنيقا بوجهٍ خاص أو مُرضيا بشكلٍ كافٍ، ونتيجة لذلك، فإن من الشائع في الاجتماعات سماع المتحدثين يستخدمون “حركة العولمة” و”حركة مناهضة العولمة” على نحوٍ تبادلي إلى حد كبير.

إلاّ أن عبارة “حركة العولمة” مناسبةٌ تماما في الحقيقة.  فلو أخذ المرء العولمة على أنها تعني محو الحدود وحرية حركة الناس، والممتلكات، والأفكار، فمن الواضح تماما أن الحركة ذاتها ليست فحسب نتاجا للعولمة، بل إن غالبية المجموعات المنخرطة فيها ــــ  وخصوصا الأشد راديكالية ــــ  أشدُّ دعما بكثير للعولمة بوجهٍ عام من صندوق النقد الدولي أو منظمة التجارة العالمية. وعلى سبيل المثال، كانت شبكةٌ أممية تُدعى “عمل الشعوب العالمي” Peoples Global Action ، هي التي وجّهت أولَ نداءاتٍ لأيام عمل باتساع الكوكب مثل J18 و N30 ــ والنداءُ الأخير هو الدعوة الأصلية للاحتجاج ضد اجتماعات منظمة التجارة العالمية في سياتل عام 1999. و بدورها تدين “عمل الشعوب العالمي”PGA  بأصولها إلى “الملتقى الدولي للإنسانية وضد النيوليبرالية” الشهير، الذي انعقد والرُكب غائصة في طين أدغال موسم المطر في تشياﭘاس، في أغسطس عام 1996؛ وجاء الملتقى ذاته، كما عبّر عن ذلك نائب القومندان ماركوس، بمبادرة “كل المتمردين حول العالم”. فقد جاء الناس من أكثر من خمسين بلدا يتدفقون إلى قرية لا رياليداد الواقعة تحت سيطرة الزاﭘاتيستا. وطُرِحت رؤية “شبكة مقاومة عبر القارات” في إعلان لا رياليداد الثاني: “نعلن أننا سنقيم شبكة جماعية من كل نضالاتنا ومقاوماتنا الخاصة، شبكة عبر القارات للمقاومة ضد النيوليبرالية، شبكة عبر القارات للمقاومة من أجل الإنسانية”:

لتكن شبكةً من الأصوات التي تقاوم الحرب التي تشنها السلطة ضدها.

شبكة من الأصوات لا تتحدث فحسب، بل تناضل وتقاوم أيضا من أجل الإنسانية وضد   النيوليبرالية.

شبكة تغطي القارات الخمس وتساعد في مقاومة الموت الذي تعدنا به السلطة.2

وأوضح الإعلان أن تلك الشبكة “ليست بنية تنظيمية؛ وليس لها رئيسٌ مركزي ولا صانع قرارات؛ وليس لها قيادة مركزية أو تراتبيات. نحن الشبكة، كل من نقاوم”.

وفي العام التالي، نظّم مؤيدو الزاﭘاتيستا الأوروبيون من مجموعات يا باستا! [كفاية] Ya Basta! ملتقى ثانيا في إسبانيا، تم فيه التقدم بفكرة عملية الشبكة إلى الأمام: وولدت “عمل الشعوب العالميPGA” خلال اجتماع في جنيف في فبراير عام 1998. ومن البداية ضمت ليس فقط مجموعاتٍ أناركية ونقاباتٍ راديكالية في إسبانيا، وبريطانيا، وألمانيا، بل كذلك رابطة فلاحين اشتراكية غاندية في الهند (هي KRRS)، وجمعيات صيادي أسماك إندونيسيين وسريلانكيين، واتحاد المعلمين الأرجنتينيين، ومجموعات سكان أصليين مثل ماوري نيوزيلاندا وكونا الإكوادور، وحركة “العمال دون أرض” البرازيلية، وشبكة مكونة من مجتمعات محلية أسسها عبيدٌ فارون في جنوب ووسط أمريكا ــــ  وأي عددٍ من المنظمات الأخرى. ولزمن طويل لم يكد يوجد تمثيل لأمريكا الشمالية، باستثناء “اتحاد عمال البريد الكنديين” ــ الذي قام بدور بؤرة الاتصالات الأساسية لـ”عمل الشعوب العالمي”، حتى تم استبدالها بالإنترنت بدرجة كبيرة ــــ  وجماعة أناركية مقرها مونتريال تدعى CLAC.

إذا كانت أصولُ الحركة أمميةً، فإن مطالبها أيضا كذلك. فبرنامج “يا باستا!” ذو الثلاث نقاط في إيطاليا، مثلا، يطالب بـ”دخل أساسي” مضمون عالميا، ومواطنة عالمية، وبضمان حرية الحركة للناس عبر الحدود، وحرية الوصول للتكنولوجيا الجديدة ــ مما سيعني في الممارسة قيودا مشددة على حقوق العلامات التجارية (التي هي شكل خبيثٌ جدا من النزعة الحمائية). وقد نظمت شبكة “لا حدود” ــــ  وشعارها “ما من أحد غير شرعي” ــــ  معسكرات، ومختبرات للمقاومة الإبداعية تدوم أسبوعا، على الحدود البولندية ـــ  الألمانية والأوكرانية، وفي صقلية وعند طريفا بإسبانيا. ارتدى النشطاء زي حرس الحدود، وبنوا جسورا من القوارب عبر نهر الأودر وأغلقوا مطار فرنكفورت بأوركسترا كلاسيكية كاملة للاحتجاج ضد ترحيل المهاجرين (كان مُرحّلون قد ماتوا مختنقين على رحلات لوفتهانزا و KLM). ومعسكر هذا العام مخططٌ له أن يُقام في ستراسبورج، موطن نظام معلومات شنجن، وهو قاعدة بيانات لها عشرات الآلاف من الأطراف عبر أوروبا، تستهدف تحركات المهاجرين، والنشطاء، وأي شخص يريدون.

أكثر فأكثر، أخذ النشطاءُ يحاولون لفت الانتباه إلى حقيقة أن الرؤية النيوليبرالية للـ”عولمة” محدودةٌ إلي حدٍ بعيد بحركة رأس المال والبضائع، وتزيد فعليا الحواجزَ أمام التدفق الحر للبشر، والمعلومات، والأفكار ــــ  وقد تضاعف حجم حرس حدود الولايات المتحدة ثلاث مرات تقريبا منذ التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا). وليس هذا مدهشا على الاطلاق: إذ لو لم يكن ممكنا أن تُسجن فعليا أغلبية الناس في العالم في معاقل بائسة، فلن يكون ثمة حافز لدى شركة نايكى Nike أو ذا جاب The Gap لنقل الانتاج هناك بادىء ذي بدء. مع إتاحة حرية الأشخاص، سينهار مجمل المشروع النيوليبرالي. هذا شيء آخر يجب أن يكون في أذهاننا حين يتحدث الناس عن تدهور “السيادة” في العالم المعاصر: فالإنجاز الأساسي للدولة ـــ الأمة خلال القرن الماضي كان تأسيس منظومة متجانسة من الحواجز ذات الحراسة المشددة عبر العالم. هذا النسق الدولي للسيطرة هو بالضبط ما نحارب ضده باسم العولمة الأصيلة.

هذه الارتباطات ــ والصلات الأوسع بين السياسات النيوليبرالية وبين آليات قسر الدولة (الشرطة، والسجون، والنزعة العسكرية) ــ  لعبت دورا أبرز باضطراد في تحليلاتنا بينما كنا نواجه بأنفسنا مستويات متصاعدة من اضطهاد الدولة. أصبحت الحدود موضوعا رئيسيا في أوروبا خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي في براج، وبعدها في اجتماعات الاتحاد الأوروبي في نيس. وخلال قمة منطقة التجارة الحرة للأمريكتين FTAA الصيف الماضي في مدينة كيبيك، تحولت الخطوط غير المنظورة التي كانت تُعامَل من قبل على أنها غير موجودة (بالنسبة للبيض على الأقل) بين عشية وضحاها إلى تحصينات ضد حركة من سيكونون مواطنين عالميين،  يطالبون بالحق في تقديم المطالب إلى حكّامهم. أصبح “الجدار” المقام بطول ثلاثة كيلومترات خلال قلب مدينة كيبيك، ليحمي رؤساء الدول الذين يحتفلون بالداخل على حساب حكوماتهم من أي اتصال مع السكان، بمثابة الرمز المكتمل لما تعنيه النيوليبرالية حقا على أسسٍ إنسانية. و لهذا السبب ذاته، صار مشهد البلاك بلوكث، المسلحين بقواطع الأسلاك والخطافات، وقد انضم إليهم الجميع من عمال الصلب إلى محاربي الموهوك ج  Mohawk ليسقطوا الجدار،  واحدة من أقوى اللحظات في تاريخ الحركة.3

إلاّ أن ثمة تعارضا لافتا بين هذا وبين النزعات الأممية الأسبق. كان الأمر ينتهي بالنزعات الأممية السابقة إلى تصدير النماذج التنظيمية الغربية إلى بقية العالم؛ أما في هذا فكان التدفق معكوسا على أية حال. فالكثير من، إن لم يكن أغلب،  تقنيات الطابع المميز للحركة ــــ  بما في ذلك العصيان المدني الجماهيري غير العنيف ذاته ــــ كانت قد تطورت أولا في الجنوب الكوكبي. وعلى المدي البعيد، قد يثبُتُ أن هذا هو أشد الأشياء جذرية بهذا الصدد.

مليارديرات ومهرّجون

في وسائل الإعلام الكبرى، يتم استحضار كلمة “عنيف” كأنها تسبيحة ــــ بصورة متكررة، لا تتغير ــــ  كلما وقع حدث ضخم: “احتجاجات عنيفة”، “صدامات عنيفة”، “الشرطة تُغِيرُ على مقر قيادة المحتجين العنيفين”، وحتى “اضطرابات عنيفة” (هل ثمة أنواع أخرى؟). يتم بصورةٍ نمطية استحضار مثل تلك التعبيرات في حين أن وصفا بسيطا، بإنجليزيةٍ سهلة، لما حدث (أناسٌ يُلقون قنابل ألوانٍ، ويكسرون نوافذَ واجهاتِ محال فارغة، يمسكون بأيدي بعضهم بينما يسدّون التقاطعات، ورجال شرطة يضربونهم بالهراوات) سيعطي الانطباع بأن الجانب العنيف حقا هو الشرطة. وربما كانت وسائل إعلام الولايات المتحدة أكبر مُنتهِك هنا ــــ رغم حقيقة أنه بعد عامين من العمل المباشر المتزايد الكفاحية، مازال مستحيلا إبراز مثال واحد لأى شخصٍ أحدث به ناشطٌ أمريكي إصابةً بدنية. يمكنني القول بأن ما يزعج السلطات أيا كانت ليس هو “عنف” الحركة بل افتقارها النسبي إليه؛ الحكومات ببساطة لا تعرف كيف تتعامل مع حركة ثورية صريحة ترفض الاندراج في المنظومات المألوفة للمقاومة المسلحة.

إن جهد تحطيم النماذج القائمة عادة ما يكون واعيا بذاته. وبينما بدا ذات حين أن البدائل الوحيدة للقيام بمسيرة باللافتات كانت إما العصيان المدني غير العنيف على طريقة غاندي أو الانتفاض الصريح، فإن مجموعات مثل “شبكة العمل المباشر”، أو “استردوا الشوارع”، أو “البلاك بلوك”، أو “توتي بيانكي” ظلت تحاول، كل منها بطريقتها، أن ترسم خريطة أرض جديدة تماما في المنتصف. إنها تحاول أن تبتكر ما يسميه الكثيرون “لغةً جديدة” للعصيان المدني، تجمع بين عناصر من مسرح الشارع، والمهرجان، وما لا يمكن سوى أن نسميه الحرب غير العنيفة ــ  غير عنيفة بالمعنى الذي يتبنّاه، مثلا، أناركيّو البلاك بلوك، من حيث أنهم يتجنّبون أي أيذاءٍ بدني للبشر. و”يا باستا!” مثلا مشهورة بتكتيكات توتي بيانكي أو المعاطف البيضاء: رجال ونساء يرتدون أشكالا معقدة من الحشوات، تتراوح من دروع الاسفنج المطاطي إلى الإطارات الداخلية للسيارات إلى أدوات الطفو الكاوتشوك، والخوذات وأردية القفز البيضاءالمضادة للكيماويات (أبناء عمومتهم البريطانيون هم وومبلزح حسنو الزي). وبينما يشق هذا الجيش الهزلي طريقه خلال متاريس الشرطة، ويحمون بعضهم طوال الوقت من الإيذاء والاعتقال، يبدو أن العتاد المثير للسخرية يختزل الكائنات البشرية إلى شخوص رسوم كارتون ـــــ مشوّه الهيئة، خرقاء، حمقاء، وغير قابلة للتدمير إلى حد بعيد. ويزداد التأثير حين تقوم صفوفٌ من الشخوص يرتدون البذلات بمهاجمة الشرطة بالبالونات ومسدسات المياه أو، مثل “الـﭘينك بلوك” في براج وغيرها، يرتدون  هيئة الجنيات ويدغدغون الشرطة بمنافض الريش.

وفي مؤتمرات الحزبين الأمريكيين، ارتدى “مليارديرات من أجل بوش (أو جور) حللا رسمية مبالغا فيها وفساتين سهرة وحاولوا أن يدسّوا رزما من النقود المزيفة في جيوب رجال الشرطة، شاكرين لهم قمعهم للمنشقين. ولم يُجرَح أحدُهم حتى جرحا طفيفا ــــ وربما يتلقى رجال الشرطة علاجا للكراهية حتى لا يضربوا أي شخص يرتدي حلة رسمية. وقد قامت كتلة كلاون بلوكخ Clown Bloc  الأناركية الثورية، بدراجاتهم العالية، وباروكات قوس قزح، والمطارق ذات الصرير، بإرباك الشرطة بمهاجمة بعضهم (أو المليارديرات). وكانوا ينشدون أفضل الأغاني: “الديموقراطية؟ ها ها ها!”، و”البيتزا المتحدة لن تُهزَم أبدا”، و “هيي هو، هيي هو ــــ هاها، هي هي!”، وكذلك ميتا ــــ اغنيات  من قبيل “نداء! جواب! نداء! جواب!” علاوة على الأغنية المفضلة من الجميع ــ “أغنية الثلاث كلمات! أغنية الثلاث كلمات!”.*

وفي مدينة كيبيك، قام منجنيق عملاق مبنيٌ حسب تصميمات العصور الوسطى (بمساعدة المؤتمر اليساري لجمعية المفارقات الزمنية الإبداعية) بقذق ألعابٍ لينة على “منطقة التجارة الحرة للأمريكتين” FTAA . وقد تمت دراسة تقنيات الحرب العتيقة لتتوافق مع أشكال مواجهة لا ــــ عنفية لكنها بالغة الكفاحية: كان ثمة مشاة خفيفة وحملة رماح من العصر الإغريقي (الأُوُل من جزر برينس إدواردز، والآخرون من مونتريال) في مدينة كيبيك، واستمر البحث في جدران الدروع على الطراز الروماني. وأصبح إغلاق الطرق شكلا فنيا: فلو صنعت شبكة عنكبوت ضخمة من خيوط الغزل عبر أحد التقاطعات، سيكون العبور مستحيلا فعليا؛ فقد أخذ رجال الشرطة على الدراجات النارية يسقطون في الفخ كالذباب. ويمكن “لدمية التحرير” بذراعين مفرودتين أن تسد طريقا سريعا من أربع حارات مرورية، كما يمكن لرقصات الأفعى أن تكون شكلا من الإغلاق المتحرك.  وقد خطط المتمردون في لندن في عيد العمال الماضي أفعال لوحة لعبة المونوبولي ــــ بناء فنادق في منطقة مايفير للمشردين، ومزاد القرن في شارع أوكسفورد، وبستنة حرب العصابات ــــ  ولم يعقها جزئيا سوى الوجود الكثيف للشرطة والأمطار الغزيرة. لكن حتى أشد الكفاحيين بين الكفاحيين ــــ المخربين ــ البيئيين من أمثال جبهة تحرير الأرض Earth Liberation Front ــــ يتجنبون بتدقيق عمل أي شيء يمكن أن يُلحق الأذى بالبشر (أو بالحيوانات). إن هذا الخلط بين المقولات التقليدية هو ما يشتّت قوى النظام ويجعلها يائسة لإعادة الأمور إلى أرض مألوفة (العنف البسيط): ويبلغ الأمر، مثلما في جنوا، حد تشجيع مثيري الشغب الفاشيين على التظاهر كذريعة لاستخدام القوة الساحقة ضد الآخرين جميعا.

ويمكن تتبع هذه الأشكال من العمل إلى مباغتات وحرب عصابات المسرح لدى الييبي [الهيبي] Yippies  أو “الهنود المتروبوليتانيين” الإيطاليين في الستينات، ومعارك محتلي المباني في ألمانيا  أو إيطاليا خلال السبعينات والثمانينات،  وحتى إلى المقاومة الفلاحية لتوسيع مطار طوكيو. لكن يبدو لي، هنا أيضا، أن الأصول الحاسمة حقا تكمن لدي الزاباتيستا، وغيرها من الحركات في الجنوب العالمي. بطرق عديدة، يمثل جيش الزاباتيستا للتحرر الوطني (EZLN) محاولة من شعبٍ حُرم دوما من الحق في المقاومة المدنية، اللا ــ عنفية للإمساك بها؛ حتى يكشف، من الناحية الجوهرية، خدعة النيوليبرالية وادّعاءاتها في المقرطة وتسليم السلطة إلى “المجتمع المدني”.  إنه، كما يقول قادته، جيش يطمح إلى ألاّ يعود جيشا مرة أخرى (ومن قبيل السر العلني أنهم، طوال السنوات الخمس الماضية على الأقل، لم يكونوا حتى يحملون بنادق حقيقية). وكما يشرح ماركوس تحوّلهم من التكتيكات القياسية لحرب العصابات:

اعتقدنا أن الناس إما أنهم لن يعيرونا التفاتا، أو سينضمون إلينا ليقاتلوا. لكن رد فعلهم لم يكن بإىّ من هاتين الطريقتين. اتضح أن كل هؤلاء الناس، الذين كانوا بالآلاف، عشرات الآلاف، مئات الآلاف، وربما بالملايين، لم يريدوا أن ينتفضوا معنا لكنهم …لم يريدوا كذلك أن تتم إبادتنا. أرادونا أن نتحاور. وحطم هذا مخططنا تماما وانتهى بأن حدّدالزاباتية، الزاباتية ــ الجديدة.4

والآن فإن جيش الزاباتيستا للتحرر الوطني هو نوع الجيش الذي ينظم “غزوات” للقواعد العسكرية المكسيكية يجتاحها مئات المتمردين غير مسلحين تماما ليصرخوا ويحاولوا إلحاق العار بالجنود المقيمين. وبنفس الطريقة، تكتسب الأفعال الجماهيرية من جانب “حركة العمال بلا أرض” سلطة معنوية هائلة في البرازيل بواسطة إعادة احتلال الأراضي غير المستخدمة بطريقة لاعنفية تماما. وفي كلتا الحالتين، من الواضح أن نفس الناس لو كانوا قد حاولوا أن يفعلوا نفس الشيء منذ عشرين عاما، لأُطلق عليهم الرصاص ببساطة.

الأناركية والسلام

كيفما اخترت أن تتتبع أصول هذه التكتيكات الجديدة، فإنها تتمشى تماما مع الإلهام الأناركي العام للحركة، الذي لا يتعلق بالاستيلاء على السلطة بقدر تعلقه بفضح، ونزع مشروعية، وتفكيك آليات الحكم بينما تكسب فضاءات أوسع باضطراد من الاستقلال الذاتي عنها. إلاّ أن الأمر الحاسم هو أن كل هذا ليس ممكنا سوى في جو عام من السلام. وفي الحقيقة، يبدو لي أن هذه هي الرهانات النهائية للنضال في اللحظة الراهنة:  ذلك النضال الذي قد يحدد الاتجاه الكلي للقرن الحادي والعشرين. ويجب أن نتذكر أنه خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حين كانت معظم الأحزاب الماركسية تتحول بسرعة إلى أحزاب ديموقراطية اجتماعية، كانت الأناركية والنقابية ـــ  الأناركية[الأناركو ـــ سينديكالية] مركز اليسار الثوري.5  ولم يتغير الوضع حقا إلاّ مع الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية. عادة ما يُقال لنا أن نجاح البولشفيك هو ما أدى إلى انحدار الأناركية ــــ  مع الاستثناء المجيد لإسبانيا ــــ  وقذفَ بالشيوعية إلى الصدارة. لكن يبدو لي أنه يمكن النظر إلى ذلك بطريقة أخرى.

في أواخر القرن التاسع عشر كان أغلب الناس يعتقدون بنزاهة أن حربا بين القوى الصناعية قد أصبحت شيئا عفا عليه الزمن؛ كانت المغامرات الاستعمارية أمرا دائما، لكن حربا بين فرنسا وانجلترا، على الأراضي الفرنسية أو الإنجليزية، بدت أمرا غير قابل للتفكير كما يبدو الآن. فمع حلول عام 1900، كان يُعدّ حتى استخدام جوازات السفر همجية عتيقة. وبالمقابل، ربما كان “القرن العشرون القصير” أشد القرون عنفا في التاريخ البشري، بانشغاله شبه التام إما بشن الحروب العالمية أو الإعداد لها. وليس مدهشا، من ثم، أن الأناركية سرعان ما صارت تبدو غير واقعية، إذا كان المعيار النهائي للفعالية السياسية قد صار هو القدرة على الحفاظ على آلآت قتل مُميكنة هائلة. فهذا شيء لا يمكن للأناركيين أبدا، بالتعريف، أن يبرعوا فيه. كما أنه ليس مدهشا أن الأحزاب الماركسية ــــ التي كانت فائقة البراعة فيه ــــ بدت بالمقارنة عمليةً وواقعية على نحو بارز. بينما لحظة أن انتهت الحرب الباردة، و من جديد بدت الحرب بين القوى الصناعية غير قابلة للتفكير، عاودت الأناركية الظهور بالضبط حيث كانت عند نهاية القرن التاسع عشر، باعتبارها حركة أممية في ذات مركز اليسار الثوري.

إذا كان هذا صحيحا، يتضح بصورة أفضل ما هي الرهانات النهائية للاستنفار الراهن “ضد الإرهاب”. على المدى القصير، تبدو الأمور مفزعةً جدا. فالحكومات التي كانت تتدافع يائسة بحثا عن طريقة تقنع بها الجمهور أننا إرهابيون حتى قبل 11 سبتمبر، تشعر الآن أنها قد مُنِحت شيكاً على بياض؛ ومما لا يحتمل الشك أن كثيرا من الناس الطيبين على وشك أن يعانوا اضطهادا مرعبا.  لكن على المدى الطويل، من المستحيل ببساطة العودة إلى مستويات عنف القرن العشرين.  من الواضح ان هجمات 11 سبتمبر من قبيل ضربة الحظ (فهي أول مخطط إرهابي وحشي الطموح في التاريخ ينجح فعلا)؛ وانتشار الأسلحة النووية يضمن أن أجزاء تتزايد باضطراد من الكوكب ستكون خارج مدى الحرب التقليدية بالنسبة لكل الأغراض العملية. وإذا كانت الحرب هي صحة الدولة، فإن آفاق عملية تنظيم على الطراز الأناركي لا يمكن إلاّ أن تتحسن.

ممارسة الديموقراطية المباشرة

هناك شكوى دائمة بشأن حركة العولمة في الصحافة التقدمية تتلخص في أنها، بينما تتألق تكتيكيا، تفتقر إلى أي موضوع محوري أو إيديولوجيا متماسكة. (يبدو أن هذا هو المعادل اليساري لمزاعم وسائل الإعلام الضخمة بأننا حفنة من الصبية الأغبياء يروّجون لحزمة من القضايا غير المترابطة على الإطلاق ــــ  أطلقوا سراح مومياد، ألغوا الديون، أنقذوا الغابات العتيقة.) وهناك خط هجوم آخر هو أن الحركة موبوءةٌ بمعارضةٍ عامة لأي شكل من البنية أو التنظيم. من المحزن أنني، بعد عامين من سياتل، يتوجب علىّ أن أكتب هذا، لكن من الواضح أن أحدا يجب أن يفعل: إنها، في أمريكا الشمالية بوجه خاص، حركة تتعلق بإعادة اختراع الديموقراطية.  وليست معارِضةً للتنظيم. بل تتعلق بخلق أشكالٍ جديدة من التنظيم. ولا تفتقر إلى الإيديولوجيا. فأشكال التنظيم الجديدة تلك هـي إيديولوجيتها. إنها تتعلق بخلق وتفعيل شبكاتٍ أفقية بدل البنيات من ـــ أعلى ـــ إلى ـــ أسفل مثل الدول، أوالأحزاب، أو الهيئات الكبرى؛ شبكات تقوم على أساس مباديء ديموقراطية الإجماع اللامركزية، اللاتراتبية. وأخيرا، فإنها تطمح إلى أن تكون أكثر من ذلك بكثير، لأنها تطمح في النهاية إلى أن تعيد اختراع الحياة اليومية برمّتها. لكنها، بخلاف الكثير من أشكال الراديكالية الأخرى، نظّمت نفسها أولا في المجال السياسي ــــ أساسا لأن تلك كانت أرضا هجرتها إلى حد كبير السلطات القائمة مهما كانت (التي نقلت كل مدفعيتها الثقيلة إلى المجال الاقتصادي).

وطوال العقد الماضي، ظل النشطاء في أمريكا الشمالية يبذلون طاقة خلاقة هائلة في إعادة اختراع ذات العمليات الداخلية لمجموعاتهم، في خلق نماذج قابلة للتطبيق لما يمكن أن تكون عليه الديموقراطية المباشرة الفعالة. وفي هذا سِرْنا بوجه خاص، كما لاحظتُ، على نهج أمثلة من خارج التقاليد الغربية، ترتكز على الدوام تقريبا على نوع من عملية التوصل إلى إجماع، بدل التصويت بالأغلبية. والنتيجة هي تشكيلة واسعة ومتزايدة من الأدوات التنظيمية ــــ  مجالس الناقلينذ spokescouncils ، مجموعات القرابةرaffinity groups ، أدوات التسهيلfacilitation tools ، الانفراطاتزbreakouts ، أحواض السمكس fishbowls ، مخاوف إعاقة القراراتش blocking concerns ، مراقبو الذبذباتص     vibe- watchers   وما شابه ــــ وكلها تستهدف خلق أشكال من العملية الديموقراطية تتيح للمبادرات أن تصعد من أسفل وتبلغ أقصى تضامن فعال، دون خنق الأصوات المنشقة، أو خلق مواقع قيادة أو إجبار أي شخص على فعل أي شيء لم يوافق على فعله بحرية.

الفكرة الأساسية في عملية الإجماع هي أنك، بدل التصويت، تحاول الخروج باقتراحات مقبولة من الجميع ــــ أو على الأقل، لا تلقى اعتراضا شديدا من أي أحد: إذكر الاقتراح أولا، ثم اسأل عن “المخاوف” وحاول معالجتها. وغالبا، عند هذه النقطة، سيقترح المشاركون في المجموعة ” تعديلاتٍ ودية” لإضافتها إلى الاقتراح الأصلي، أو تغييره، لضمان معالجة المخاوف. وأخيرا، حين تدعو إلى الاجماع، تسأل إن كان أي شخص يرغب في “الإعاقة” أو “الوقوف جانبا”. الوقوف جانبا يعني مجرد قول،”لن أرحب أنا نفسي بالمشاركة في هذا العمل، لكنني لن أمنع أحدا غيري من القيام به”. أما الإعاقة فهي طريقة لقول “أعتقد أن هذا ينتهك المباديء الأساسية للوجود في المجموعة أو أغراضها”. وتقوم بدور الفيتو [النقض]: إذ يمكن لأي شخص منفرد أن يُجهِز تماما على اقتراح بإعاقته ــــ  رغم أن ثمة طرقا لمواجهة ما إذا كانت أعاقةٌ ما قائمةً على أسس أصيلة.

وهناك أنواع مختلفة من المجموعات. فمجالس الناقلين ، مثلا، هي اجتماعات ضخمة تنسّق بين “مجموعات قرابة” أصغر.  وتنعقد غالبا قبل، وخلال، الاعمال المباشرة الكبرى من قبيل سياتل أو كيبيك. وكل مجموعة قرابة (يمكن أن تضم ما بين 4 و20 شخصا) تختار “ناقلا”، يُمنح سلطة الحديث باسمها في المجموعة الأكبر. والناقلون وحدهم يمكنهم المشاركة في العملية الفعلية للتوصل إلى الإجماع في المجلس، لكنهم قبل القرارات الكبرى ينفرطون مرة أخرى إلى مجموعات قرابة وتتوصل كل مجموعة إلى الإجماع على الموقف الذي تريد أن يتخذه ناقلها (ليس الأمر صعب المنال كما قد يبدو). أما الانفراطات،  من جهة أخرى، فهي حين ينقسم اجتماع واسع مؤقتا إلى اجتماعات أصغر تركّز على اتخاذ القرارات أو توليد الاقتراحات، التي يمكن عندئذ تقديمها للموافقة عليها أمام المجموعة بكاملها عندما تجتمع من جديد. وتستخدم أدوات التسهيل لحل المشكلات أو لتحريك الأمور إذا بدا أنها متعثرة. ويمكنك طلب جلسة اجتياح عقول، يتم فيها السماح للناس فقط بتقديم الأفكار وليس انتقاد أفكار الآخرين؛ أو طلب تصويت استطلاعي غير ملزم، يرفع فيه الحاضرون أيديهم لمجرد أن يروا كيف يشعر الجميع بشأن اقتراحٍ ما، بدل اتخاذ قرار. أما حوض السمك فلا يتم استخدامه إلاّ إذا كان ثمة اختلاف عميق في الرأي: ويمكنك أخذ اثنين من ممثلي كل طرف ــــ رجل وامرأة ــــ وجعل أربعتهم يجلسون في المنتصف، ويحيط بهم الجميع في صمت، ليروا إن كان يمكن للأربعة التوصل معا إلى مركبٍ أو حلٍ وسط، يمكنهم عندها تقديمه كاقتراح إلى كامل المجموعة.

سياسة التجسيد المسبق

هذا عملٌ جارٍ إلى حد كبير، ولابد أن يكون خلق ثقافة للديموقراطية بين أناس قليلي الخبرة بتلك الأشياء عملا مؤلما وغير متكافيء، مليئا بكل أنواع العثرات والبدايات الخاطئة، لكن الديموقراطية المباشرة من هذا النوع ــــ كما يمكن أن يشهد تقريبا أي ضابط شرطة واجهنا في الشوارع ــــ  يمكن أن تكون فعّالة على نحو مذهل. ومن الصعب العثور على أي شخص شارك بالكامل في مثل هذا العمل لا يكون حسّه بالإمكانات البشرية قد تغير بعمق نتيجة لذلك. أن نقول،”عالمٌ آخرٌ ممكن”، هو شيء. أما أن نخبر ذلك، ولو لحظيا، فهو شيء آخر. وربما كانت أفضل طريقة للبدء في التفكير في هذه المنظمات ــــ شبكة العمل المباشر، على سبيل المثال ــــ أن ننظر إليها على أنها مناقضة تماما للمجموعات الماركسية الطائفية؛ أو، بالأحرى، للمجموعات الأناركية الطائفية.6 فحيث يشدد “الحزب” الديموقراطي ـــ  المركزي على تحقيق تحليلٍ نظري مكتمل وصحيح، ويطالب بالتجانس الإيديولوجي، ويميل إلى إقامة تعارضٍ بين رؤية مستقبلٍ مساواتي وبين الأشكال البالغة السلطوية للتنظيم في الحاضر، فإن هذه المنظمات تسعى بوضوح إلى التنوع. يتركز النقاش دائما حول المسارات الخاصة للعمل؛ ومن المسلم به أن أحدا لن يحوّل أبدا أي أحدٍ آخر إلى وجهة نظره بالكامل. ويمكن أن يكون الشعار هو، “إذا كنت ترحب بالتصرف كأناركي الآن، فإن رؤيتك على المدى البعيد هي شأن يخصك إلى حد بعيد”. مما يبدو معقولا: فلا أحد منا يعرف إلى أي مدى يمكن أن تؤدي بنا هذه المباديء، أو كيف يمكن أن يبدو في النهاية مجتمعٌ معقد يقوم على أساسها. إيديولوجيتها، إذن، محايثةٌ في المباديء المناهضة للسلطوية الكامنة في ممارستها، وأحد مبادئها الأشد صراحة هو أن الأمور يجب أن تبقى على هذا النحو.

وأخيرا، أود أن أستخلص بعض المسائل التي تطرحها شبكات العمل المباشر بصدد الاستلاب، وتضميناته الأوسع بالنسبة للممارسة السياسية. فمثلا، حتى حين لايوجد جمهورٌ آخر تقريبا للسياسة الثورية في مجتمع رأسمالي، لماذا تكون المجموعة الأرجحُ أن تتعاطفَ مع مشروعها مكونةً من الفنانين، والموسيقيين، والكتّاب، وغيرهم من المنخرطين في شكل ما من الانتاج غيرـــ المُستَلَب؟ هل يجب بالتأكيد أن تكون ثمة رابطة بين الخبرة الفعلية لتصوُّر الأشياء أولا ثم جلبها إلى الوجود، فرديا أو جماعيا، وبين تخيُّل البدائل الاجتماعية ــــ وخصوصا، إمكانِ مجتمعٍ يقوم هو ذاته على أساس افتراض أشكالٍ أقل استلابا للإبداعيةٍ ؟ ويمكن أن يقترح المرءُ حتى أن الائتلافات الثورية تميل دوما إلى الاعتماد على نوع من التحالف بين أولئك الأقل استلابا في مجتمعٍ ما وبين أولئك الأشد اضطهادا فيه؛ وعندها يمكن للمرء القول بأن الثورات الفعلية كانت تميل إلى الحدوث حين كانت تتداخل هاتان الفئتان بأوسع ما يمكن.

يمكن لهذا، على الأقل، أن يساعد في توضيح لماذا يبدو دائما أن الفلاحين والحرفيين ــــ أو حتى أكثر من ذلك، أن الفلاحين والحرفيين السابقين الذين انخرطوا حديثا في صفوف البروليتاريا ــــ  هم فعليا من يطيحون بالأنظمة الرأسمالية؛ وليس أولئك الذين تمرسوا لأجيال على العمل المأجور. ويمكن أيضا أن يساعد في توضيح الأهمية الاستثنائية لنضالات شعوب السكان الأصليين في الحركة الجديدة: فتلك الشعوب تميل في آنٍ واحد إلى أن تكون الأقل استلابا والأشد اضطهادا على ظهر الأرض. والآن، وقد أتاحت تكنولوجيات الاتصال الجديدة ضمّهم إلى التحالفات الثورية الكوكبية، علاوة على المقاومة والتمرد المحليين، فقد أصبح حتميا تقريبا أن يلعبوا دورا مُلهِما بعمق.

***

الهوامش

مقالة نشرت في مجلة “نيو لفت ريفيو”، العدد 13، يناير/ فبراير عام 2002، الصفحات 61 إلى 73.
New Left Review 13, Jan/Feb 2002 pp.61-73.

(الهوامش ذات الأرقام من وضع المؤلف. أما الهوامش حسب حروف الهجاء فتوضيحات من المترجم)

1 هناك البعض ممن يأخذون المباديء الأناركية في مناهضة الطائفية والانفتاح بشكل جدي إلى درجة أنهم يُعرِضون أحيانا عن تسمية أنفسهم “أناركيين” لهذا السبب ذاته.
أ physical  : تعني في آن واحد تدخلا ماديا وكذلك جسديا ضد سلطة الدولة ـــ م
ب  libertarian: الليبرتارية ترادف الأناركية وتقابل الليبرالية. وقد نشأت الليبرالية والليبرتارية عن الثورة الصناعية، الأولى تدافع عن منطق الرأسمالية والسلطة والثانية تعكس مصالح العمال والمضطهَدين ـــ م
ت  the N word  : كلمة النون: هي النيوليبرالية، اختصارا ـــ م
2  قرأه نائب القومندان ماركوس Subcomandante Marcos خلال الجلسة الختامية للملتقى [إنكوينتروEncuentro ] الأول عبر القارات، في 3 أغسطس 1996: كلمتنا هي سلاحنا: كتابات مختارة، تحرير خوانا بونثي دي ليون، نيويورك 2001.
Our Word is our Weapon: Selected Writings, Juana Ponce de Leon, ed., New York 2001.
ث  Black Bloc : تعني حرفيا “الكتلة السوداء”: في مواجهة عنف الشرطة المفرط، اختارت مجموعات من المتظاهرين الراديكاليين التصدي لهذا العنف وحماية التظاهرات في كتلة موحدة ترتدي ثيابا وأقنعة سوداء ـــ م
ج  الموهوك: شعب هندي أحمر محارب من شعوب تحالف الإيروكوي. كان يعيش على طول نهر الموهوك أكبر روافد الهدسون شمال شرقي نيويورك ويحيا الآن جنوبي أونتاريو وأقصى شمال نيويورك ـــ م
3  كانت المساعدة في تحطيم ذلك الجدار بالتأكيد واحدة من أبهج خبرات حياة المؤلف.
ح  Wombles (white Overalls Movement Building Liberation Effective Struggles)
(حركة معاطف بيضاء يبنون نضالات تحرر فعلية): جماعة أناركيين ومناهضين للرأسمالية ذات تنظيم فضفاض ولا مراتبي مقرها لندن نشأت مع بداية الألفية واشتهرت في البداية بارتداء ملابس بيضاء تقليدا لجماعة “توتي بيانكي” الإيطالية. بدأت العمل أثناء الإعداد لتعطيل اجتماع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في براج وساعدت منذ ذلك الحين في تنظيم العديد من الاحتجاجات. بعد مواجهة نكلت بهم الشرطة فيها عام 2000 تخلت الجماعة عن الثياب البيضاء وبدأت في تنظيم حماية ذاتية من عنف الشرطة. عام 2004 حضرت مؤتمر “عمل الشعب العالمي” في صربيا ونظمت “ما وراء المنتدى الاجتماعي الأوروبي” في جامعة ميدلسكس الذي عقد كبديل لا سلطوي للمنتدى الأوروبي العالمي في لندن ذلك العام.
تهدف الجماعة إلى : تسهيل حرية الحركة والتواصل خلال الاحتجاجات، ووقف الهجمات على المتظاهرين، وأن تشكل أمثلة حية على التضامن، والتنظيم، والدعاية الأناركيين، وكذلك إلى تنمية الاحترام والحماية المتبادلين بين المتظاهرين.
ويرجع أصل الكلمة إلى كونها اسم مخلوقات خيالية مدببة الأنف غزيرة الفرو تحيا في جحور وتدعم البيئة بجمع القمامة وإعادة تدويرها بطرق إبداعية. أبدعت هذه الشخصيات إليزابيث بيريسفورد وظهرت في روايات ومسلسلات للأطفال منذ 1968 ــ  م
خ  Clown Bloc : كتلة المهرجين: جماعة مُستَلهَمة من “Clandestine Insurgent Rebel Clown Army” التي شاركت في عدد من الاحتجاجات التي بدأت بزيارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش إلى المملكة المتحدة عام 2003. شاركت الكتلة في حركة “إحتلوا وول ستريت” وقمة حلف الأطلنطي في شيكاجو في يونيو عام 2013. تهدف إلى إحياء تقاليد المهرجين التي ترجع إلى العصور الوسطىللإشارة إلى تناقضات المجتمع ــ م
4 حاورته إيفون لو بو
Yvon LeBot, Subcomandante Marcos: El Sueno Zapatista, Barcelona 1997, pp.214-5; Bill Weinberg, Homage to Chiapas, London 2000,p. 188.
5 “خلال الفترة 1905 ــ 1914 كان اليسار الماركسي في معظم البلدان على حافة الحركة الثورية، وجرت مماهاة الكيان الأساسي من الماركسيين مع ديموقراطية اجتماعية واقعية غير ثورية، بينما كانت كتلة اليسار الثوري نقابية ـــ أناركية، أو على الأقل أقرب إلى أفكار ومزاج الأناركية ـــ النقابية منها إلى الماركسية الكلاسيكية.” إريك هوبسبوم
Eric Hobsbawm, “Bolshevism and the Anarchists”, revolutionaries, New York 1973, p. 61.
د  Mumia Abu-jamal (born Wesley Cook,1954): وصف بأنه أشهر سجين سياسي محكوم عليه بالإعدام. أدين عام 1982 بقتل ضابط شرطة في فيلادلفيا، ثم خفّف الحكم عام 2012 إلى الموبد.ينطلق المطالبون بالإفراج عنه من معارضة أحكام الإعدام، أو من التشكيك في التهمة أو في عدالة المحاكمة.
نشط في صفوف القومية السوداء وكان عضوا في منظمة “الفهود السوداء” حتى عام 1970. عمل بالصحافة الإذاعية وأصبح رئيس جمعية فيلادلفيا للصحفيين السود.
نشر خلال سجنه عددا من الكتب منها “الحياة في طابور الإعدام” ــ م
ذ  Spokes Council : بنية تم استخدامها بشكل واسع بواسطة الحركات الديموقراطية منذ الثورة الإسبانية وتستمد إلهامها من الكثير من نضالات السكان الأصليين مثل الزاباتيستا في تشياباس بالمكسيك.
استُخدمت بفعالية لسنوات طويلة في حركات مناهضة الطاقة النووية (خلال الثمانينات)، والعدالة الكوكبية (في التسعينات وبداية الألفية) في الولايات المتحدة والعالم. تتميز بأنها تتيح لعدد كبير من الناس المشاركة في اتخاذ القرار الديموقراطي المباشر، من خلال علاقات شفافة، وأفقية. أطلق عليها هذا الاسم لأن بنيتها تشبه بنية الأقطار أو القضبان التي تخرج من مركز عجلة يجلس على محيطها الدائري الناقلون وخلفهم المجموعات التي يمثلونها على هيئة عناقيد ــ  المفرد spoke  ــ م
ر  مجموعات القرابة: المجموعات التي تجمع بينها مصالح أو ميول مشتركة وليس قرابة النسب ــ م
ز  الانفراطات: الانفضاضات أو فض الاجتماعات الواسعة للعودة الى المجموعات الصغيرة للتشاور حول رأيها في القرارات الواجب اتخاذها ــ م
س  أحواض السمك: طريقة للحوار تستخدم داخل المجموعات الكبيرة وتتيح لمجمل المجموعة المشاركة في النقاش، وتقلل التمايز بين المتحدثين وبين الجمهور. يتم فيها اختيار عدد محدود يمثل مختلف تكتلات أو اتجاهات الحضور ويجلسون على مقاعد في شكل دائري في المنتصف بينما يجلس الباقون في دوائر متتالية تحيط بالمتناقشين وتسمح بالاستماع إليهم دون المشاركة في النقاش. ولها تنويعات عديدة يمكن في بعضها تدخل أفراد الجمهور في النقاش باحتلال بعض مقاعد المتناقشين والحلول محلهم ويمكن تناوب عدد كبير من الجمهور على تلك المقاعد أو تغيير المتناقشين بكاملهم. كما يمكن تقسيم الحضور إلى مجموعتين فرعيتين (رجال ونساء، شباب وعجائز، الخ) تجتمعان بشكل منفصل وتصوغان أسئلة، ثم يجتمع الجميع وتقدم كل مجموعة أسئلتها للأخري وسط مراقبة الجميع ــ م
ش  مخاوف تدفع إلى استخدام حق النقض لوقف إصدار القرارات ــ م
ص  مراقبو الذبذبات: من يرصدون المزاج العام في الاجتماعات تجاه القرارات التي يجري بناء الإجماع عليها ــ م
6  ما يمكن تسميته بالمجموعات الأناركية بالألف الكبيرة capital-A من قبيل، مثلا، فيدرالية الشمال الشرقي للأناركيين الشيوعيين ــــ التي يجب على أعضائها قبول برنامج الأناركيين الشيوعيين الذي وضعه عام 1926 نستور ماخنو ــــ ما زالت موجودة، بالطبع.  لكن أناركيي الألف الصغيرة small-a هم الموضع الحقيقي للدينامية التاريخية في الوقت الحاضر.

About tahriricn

bringing together anarchist perspectives from the Middle East, North Africa and Europe

Posted on November 22, 2013, in Theory of Anarchism, العربية and tagged , . Bookmark the permalink. 1 Comment.

  1. Not George Sabra

    Nice brigade banner.🙂

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: